مقالة فلسفية حول الاحساس و الادراك

مقالة فلسفية حول الاحساس و الادراك

    طلاب بكالوريا الجزائر سوف اعرض عليكم اليوم مقال مهم للسنة الثالثة ثانوي و قد يكون احد اهم المقالات المرشحة لتكون في اسئلة البكالوريا لهذه السنة، اتمنى ان تعجبكم المقالة و لا تنسو دعمنا للمزيد من المقالات و الدروس.


    الإشكالية: 

    في إدراك العالم الخارجي

    المشكلة الأولى: 

    في الإحساس و الإدراك

    العنصر علاقة الإحساس بالإدراك

    الطريقة: جدلية


    المقال رقم 1: 

    هل يمكن الفصل بين الإحساس و الإدراك؟

    الأسئلة المشابهة:

    • -هل التمايز القائم بين الإحساس و الإدراك يجعلهما يقفان على طرفي نقيض؟
    • -هل الطابع الأولي للإحساس يعني خلوه من أي نشاط ذهني؟
    • -ما طبيعة العلاقة القائمة بين الإحساس والإدراك؟



    المقال:

    إن الإنسان وبحكم وجوده الطبيعي يعيش في اتصال مع العالم الخارجي وتكون صور ابسط هذا الاتصال بواسطة أعضاء حسية، و معنى هذا إن الإحساس هو السبيل الأول الذي يطلعنا على العالم الخارجي.

    لكن يوجد عدد من الفلاسفة و علماء النفس من يعتبر الإحساس مجرد معرفة أولية لا تقدم سوى انطباعات حسية، فهو بحاجة دائمة وملحة إلى نشاط العقل أو يصطلح على تسميته بالإدراك الذي يتم من خلاله تأويل و تفسير مختلف الإحساسات و انطلاقا من هذا التمايز القائم بينهما برزت إلى الوجود مشكلة فلسفية تعد بلا جدال واحد من أقدم و أهم المشكلات المطروحة في الفلسفة الكلاسيكية و الحديثة على حد سواء، و هي مشكلة طبيعة العلاقة القائمة بين الإحساس و الإدراك إذ هناك من يقيم تفرقة حاسمة بين الإحساس و الإدراك ويذهب إلى درجة الفصل التام بينهما بالنظر إلى اختلافهما في الطبيعة و القيمة، بينما هناك من يرفض هذه التفرقة و يذهب إلى درجة اعتبارها وجهين مختلفين لعملية نفسية واحدة يتعذر أو يستحيل فصل أو عزل أحدهما عن الآخر و أمام هذا الجدل القائم تبرز التساؤلات الدقيقة التالية: ما طبيعة العلاقة القائمة بين الإحساس و الإدراك؟



    يتفق كل من الفلاسفة العقلانيين و الحسيين على إن هناك ما يدعو إلى الفصل و التمييز بين الإحساس والإدراك حتى وان اختلفوا في طبيعة تبرير هذا التمييز، إذ يعتقد كبار الفلاسفة العقلانيين قديما و حديثا أن الإحساس يختلف عن الإدراك لا من حيث الطبيعة فقط بل من حيث القيمة أيضا فالإحساس لا يمد الإنسان بمعرفة كاملة فهو لا ينطوي على إي يقين و لعل هذا ما عناه منزل الفلسفة من السماء إلى الأرض (الفيلسوف اليوناني سقراط 470 / 399ق.م ) حينما قال "إن الحواس تخدعنا خداعا كبيرا" و هو الطرح ذاته الذي تبناه و دافع عنه تلميذه أفلاطون الذي رأى في المعرفة الحسية أنها معرفة لا تثبت على حال وهي متغيرة لا ترتقي إلى مصاف المعرفة العقلية، و التي هي أعلى مراتب المعرفة حقائقها ثابتة و أزلية، و هذا الذي جعل أفلاطون يميز بين عالمين أساسيين و هما عالم المثل و المعقولات الثابتة و عالم المحسوسات و هذا كما أورده أهم آثاره و محاوراته، وفي العصر الحديث يرى رائد الفلسفة الحديثة ( روني ديكارت ) إن الحواس تكون في كثير من الأحيان مطية لخداعنا فرؤية الأبراج و التماثيل – على سبيل المثال –عن قرب ليس كرؤيتها عن بعد وقد عبر ديكارت عن هذا في التأمل الثالث من كتابه الضخم "تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى"  حينما بين إن الإحساس لا يمدنا بمعرفة كاملة و يقينية و إن العقل الذي هو اعدل قسمة بين البشر بما ركب فيه من أفكار فطرية هو أساس كل معرفة يقول في هذا الصدد "لقد رأيت إن الحواس تخدعني، وليس من الحكمة أن نطمأن كل الاطمئنان إلى من يخدعنا ولو لمرة واحدة".

    و في هذا السياق يرى آلان إن الإنسان يدرك ولا يحس لان المعرفة الحسية لا تقدم معرفة كاملة فرؤية المكعب بالعين المجردة تجعلنا نجزم بأنه شكل هندسي مؤلف من ثلاثة أوجه و ستة أضلاع بينما هو مؤلف في الحقيقة من ستة أوجه و اثني عشر ضلعا و على الرغم من الاختلاف المذهبي و تباين الطرح فان الفلاسفة الحسيين بدورهم يوافقون الفلاسفة العقلانيين في القول بالفصل بين الإحساس و الإدراك، فالعقل حسبهم صفحة بيضاء تكتب عليه التجربة ما تشاء و منه فالمدركات العقلية ماهي سوى انطباعات و خبرات حسية و انه لا يوجد لشيء في الأذهان مالم يوجد في الأعيان لهذا أنكر الفيلسوف الانجليزي جون لوك وجود الأفكار الفطرية –القبلية السابقة للتجربة – واعتبر الإحساس أساس كل معرفة و هذا ما يعكسه قوله الشهير " لو سألت الإنسان متى بدأ يعرف لأجابك متى بدأ يحس" وقوله أيضا "التجربة هذا هو الأساس الوحيد لجميع معارفنا" و يعززه مواطنه دافيد هيوم حينما قال "لاشيء من الأفكار يستطيع إن يحقق لنفسه ظهورا في العقل ما لم تكن هناك انطباعات حسية مقابلة له " وعليه فالإحساس هو جسر كل معرفة و المتحكم الوجه للمدركات العقلية.



    و لكن الاختلاف الظاهر و الذي لا يجب إغفاله أو تغافله بين الإحساس و الإدراك لا يستلزم أبدا الفصل بينهما كما ذهب إليه كل العقلانيين  و الحسيين فالاختلاف لا يستوجب بالضرورة الفصل كما إن هذه التفرقة التي أقامها أنصار النزعتين لها خلفياتها المذهبية و الفكرية، فالعقلانيين ينصبون العقل بوصفه سيد اللعبة في بناء المعرفة جاهلين أو متجاهلين انه ليس بالملكة المعصومة من الخطأ فكثيرا ما تطغى الأهواء و العواطف على سلطة العقل و الحسيين بدورهم قد غالوا في اعتبارهم أن الفاقد للحس هو فاقد بالضرورة للمعرفة.

    لهذا يرفض عدد كبير من علماء النفس المحدثين و المعاصرين إمكانية الفصل بين الإحساس والإدراك فالجشطالتيون على سبيل الشاهد و هم جماعة من العلماء النفسانيين الألمان الذين اتخذوا من مدينة برلين ملجأ لأعمالهم ابتدءا من عام 1910 يرون إن الإدراك ليس مجموعة من الإحساسات فقط بل هو صورة إجمالية و كلية و هذا ما تدل عليه كلمة "جشطالت" التي تعني الصورة أو الشكل و الصيغة فالإنسان لا يدرك الاجزاء بل يدرك الموضوع في صيغته و صورته الكلية هي التي تعطي للأجزاء معناها فالأنغام الموسيقية مثلا لا قيمة و لامعنى  لها إلا في تواصلها ضمن قطعة موسيقية واحدة و كلية و ما يدعم موقف الجشطالتيون هذا هو صياغتهم لقوانين تنظيم المجال الإدراكي أهمها:

    -قانون الشكل و الأرضية (البروز) و مؤداه إن لكل شكل موضوع مدرك خلفه بحيث كلما كان الموضوع مخالفا للخليفة كان الإدراك أوضح مثلا إدراك نقطة سوداء في خلفية بيضاء ليس كادراك نقطة بيضاء في خلفية بيضاء

    -قانون التقارب: ومعناه إن الأشياء و الموضوعات المتقاربة في الحجم و اللون و الشكل يكون إدراكها أفضل من الأشياء و الموضوعات المتباعدة

    إذن الإدراك لا يحدث بالمعطيات الحسية فقط و إنما يحدث نتيجة تأثير موضوعية يفرضها شكل وبنية الموضوع المدرك في نظر أنصار المدرسة الجشطالتية، و في هذا الاتجاه يذهب كل من هوسرل و مورلوبونتي اقطاب المذهب الظواهري الفينومينولوجي الى رفض الفصل التعسفي بين الإحساس و الإدراك . وردو عملية الإدراك إلى تفاعل الشعور و الموضوع المدرك معا لان كل شعور على حد تعبير مورلوبونتي هو شعور بموضوع و من الحجج التي تأكد أن الإدراك يختلف حسب اختلاف الشعور فمثلا إدراك الأسد في السيرك او في الحديقة ليس كادراكه في الغابة و هنا يتجلى ترابط الإحساس و الإدراك حيث لا يوجد للإحساس خالص غير مسبوق بشعور ذهني، كما لا يوجد إدراك ذهني غير مرتبط بالحواس و هذا ما يعزز فرضية استحالة الفصل بينهما.

    و لكن و مع أهمية التصور الذي جاء به كل من الجشطالتيون و الظواهريون الا وان موقفهم هذا بدوره لم يرتقي إلى مصاف الحل المتكامل فاصحاب المدرسة الجشطالتية قد ركزوا كثيرا على الشروط الموضوعية و هو ما يمثل تهميشا و اقصاءا للعوامل الذاتية جاعلين دور العقل شكلي كما إن أصحاب المذهب الظواهري قد غلبو كفة الشعور الذاتي و هذا ما يؤذي إلى الابتعاد عن الموضوعية بالنظر إلى اختلاف الذوات المدركة.

    اذن وبعد التعرف على مختلف وجهات النظر أن الإحساس و الإدراك بوصفهما من العمليات النفسية الأساسية للاتصال بالعالم الخارجي هما في حقيقة الأمر وجهتين مختلفتين لعملية نفسية واحدة فلا يمكن حدوث الإدراك إلا بوجود الوسائط و القرائن الحسية، و لا يمكن للإحساسات أن تكون ذات معنى مالم تتوج بتفسير و تحليل النشاط الذهني.

    وبحسب معرفتنا نرى إننا نحس و ندرك معا وان الفصل بين الإحساس والإدراك أمر غير ممكن و إن كانت هناك اسبيقة منطقية لا رمانية.

    نستنتج في الأخير بناءا على كل ما سبق إن التمايز القائم بين الإحساس و الإدراك لا يجعلهما يقفان على طرفي نقيض، لان الدراسات النفسية و العلمية قد برهنت و أثبتت استحالة الفصل بينهما، لهذا فما يبرر الفصل بينهما لدى أنصار الطرح الكلاسيكي هو التشييع للنسق و المذهب لا غير و بالتالي فهو فصل نظري أما من المنظور العلمي فانه يتعين تجاوز مأزق الفصل بين ماهر حسي و ماهو إدراكي.

    فييدو يشرح مشكلة الاحساس و الادراك من تقديم الاستاذ هلوب محمد جزاه الله كل خير

    Ency Education
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الموقع الاول للدراسة في الجزائر Ency Education .

    إرسال تعليق